أبو الليث السمرقندي
409
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قبل أن نخلق تلك النسمة . وذكر الربيع بن أبي صالح الأسلمي قال : دخلت على سعيد بن جبير حين جيء به إلى الحجّاج أراد قتله ، فبكى رجل من قومه فقال سعيد : ما يبكيك ؟ قال : لما أصابك من مصيبة . قال : فلا تبك ، قد كان في علم اللّه تعالى أن يكون هذا . ألم تسمع قول اللّه تعالى : ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها يعني : من قبل أن نخلقها . ويقال : قبل أن نخلق تلك النفس إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يعني : هينا ، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ يعني : لكيلا تحزنوا عَلى ما فاتَكُمْ من الرزق والعافية ، إذا علمتم أنها مكتوبة عليكم قبل خلقكم ، وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ يعني : بما أعطاكم في الدنيا ، ولا تفتخروا بذلك وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ يعني : متكبرا ، فخورا ، بنعم اللّه تعالى ، ولا يشكروه . قرأ أبو عمرو بما أتاكم بغير مدّ . والباقون : بالمد . فمن قرأ : بغير مد ، فمعناه : لكيلا تفرحوا بما جاءكم من حطام الدنيا ، فإنه إلى نفاد . ومن قرأ : بالمد بما أعطاكم . وروى عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : ليس أحد إلا وهو يحزن ، ويفرح . ولكن المؤمن من جعل الفرح والمصيبة صبرا . [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 24 إلى 27 ] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 24 ) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 25 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 26 ) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 27 ) ثم قال عز وجل : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ يعني : لا يحب الذين يبخلون . يعني : يمسكون أموالهم ، ولا يخرجون منها حق اللّه تعالى وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ويقال : الذين يبخلون . يعني : يكتمون صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ويأمرون الناس بالبخل . يعني : يكتمون صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ونعته . وَمَنْ يَتَوَلَّ يعني : يعرض عن النفقة . ويقال : يعرض عن الإيمان فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ